العلامة المجلسي

28

بحار الأنوار

المسألة في كتاب الطلاق ( 1 ) إن شاء الله تعالى ( 2 ) . ومنها تحويل المقام عن موضعه ، كما ورد في كثير من أخبارنا ، وقال ابن أبي الحديد ( 3 ) : قال المؤرخون : إن عمر أول من سن قيام شهر ( 4 ) رمضان في جماعة وكتب به إلى البلدان ، وأول من ضرب ( 5 ) في الخمر ثمانين ، وأحرق بيت رويشد الثقفي - وكان نباذا - وأول من عس في عمله بنفسه ( 6 ) ، وأول من حمل الدرة وأدب بها - ، وقيل بعده : كان درة عمر أهيب من سيف الحجاج ( 7 ) - .

--> ( 1 ) بحار الأنوار 104 / 136 - 160 . ( 2 ) بمناسبة المقام نتعرض مجملا إلى جهل عمر بمسألة طلاق الأمة ، فقد نقل الكنجي في الكفاية : 129 ، عن الحافظين الدارقطني وابن عساكر : أن رجلين أتيا عمر بن الخطاب وسألاه عن طلاق الأمة ، فمشى حتى أتى حلقة في المسجد فيها رجل أصلع ، فقال : أيها الأصلع ! ما ترى في طلاق الأمة ؟ ، فرفع رأسه ثم أومى إليه بالسبابة والوسطى ، قال لهما عمر : تطليقتان . فقال أحدهما : سبحان الله ! جئناك وأنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه أن أومى إليك ؟ . فقال لهما : تدريان من هذا ؟ . قالا : لا . قال : هذا علي بن أبي طالب ، أشهد على رسول الله ( ص ) لسمعته - وهو يقول - : أن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعا في كفة ثم وضع ايمان علي في كفه لرجح ايمان علي بن أبي طالب . قال : هذا حسن ثابت . ورواه الخوارزمي في المناقب : 78 من طريق الزمخشري ، ونقله العلامة الأميني في الغدير 2 / 299 عن الدارقطني والزمخشري ، وعن السيد علي الهمداني في كتابه مودة القربى . ( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 12 / 75 [ 3 / 113 - أربعة مجلدات ] . ( 4 ) لا توجد : شهر ، في المصدر . ( 5 ) في المصدر : وأقام الحد ، بدلا من : وأول من ضرب . وجاء كونه أولا في هذا الاقدام في محاضرات الأوائل : 111 - طبع سنة 1300 [ وفي طبعة أخرى : 169 ] ، وأوليات العسكري ، وتاريخ ابن كثير 7 / 132 ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي : 93 ، وتاريخ القرماني - هامش الكامل 1 / 203 ، وقال الحلبي في سيرته 2 / 314 : والثمانون طريقة عمر . . . لما رآه من كثرة شرب الناس للخمر ! ؟ ( 6 ) جاءت في المصدر بدل هذه الجملة : وأقام في عمله بنفسه . ( 7 ) هذه قولة مشهورة ، ولها موارد كثيرة جدا ، والمضحك أنهم يتبجحون بها ناسين أو متناسين أن سيف الحجاج ما قام إلا ظلما وإجحافا ، ودرة عمر أكثر منه . . وهي كلمة حق ، إذ لولا فتح باب المظالم والتعدي من الأوائل لما أمكن الحجاج وغيره أن يفعلوا ما فعلوا . ولنسرد لك جملة من الموارد لدرة الخليفة ، وقد سبق بعضها وسنرجع لها في خشونته وجلفيته : منها : أن أحد المجاهدين المسلمين قال : إنا لما فتحنا المداين أصبنا كتابا فيه علم من علوم الفرس وكلام معجب ، فدعا عمر بالدرة فجعل يضربه بها . . إلى آخر القصة التي أوردها المتقي في كنز العمال 1 / 95 ، وابن الجوزي في سيرة عمر : 107 ، وابن أبي الحديد في شرحه للنهج 3 / 122 ، وغيرهم . ومنها : ما أورده ابن الجوزية في سيرة عمر : 174 عن أبي عمر والشيباني ، قال : خبر عمر بن الخطاب برجل يصوم الدهر ، فجعل يضربه بمخففته - أي درته - ويقول : كل ! يا دهر يا دهر . ومنها : أنه ضرب رجلين بالدرة لزيارتهما بيت المقدس ، كما أورده في كنز العمال 7 / 157 ، مع ما هناك من نصوص متظافرة في أنه لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، ومنها بيت المقدس . ومنها ضربه لعماله على البلاد بالدرة ، كما في قصة والي البحرين أبي هريرة التي أوردها ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 3 / 113 ، بل قد ضرب بالدرة بغير موجب جمع من الأصحاب والوجهاء كل ذلك تنفيسا لعقده ، وبسطا لهيمنته وسلطانه ، وإخافة لصحبته ومن حوله ، فهاهو يضرب ولده عبد الله بلا موجب وسبب ، كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي : 96 ، وضربه للجارود العامري - سيد ربيعة - كما في سيرة عمر لابن الجوزي : 178 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 112 ، وكنز العمال 2 / 167 ، وضربه لمعاوية عليهما اللعنة والهاوية ، كما أورده ابن كثير في تاريخه 8 / 125 ، وابن حجر في الإصابة 3 / 434 ، وضربه بالجريدة للربيع بن زياد الحارثي ، كما نص عليه في الطبقات 3 / 280 ، وانظر جملة من قصصه هناك في صفحة : 2308 مع أبي موسى الأشعري . ومنها : ضربه لجمع لأكلهم اللحم ! كما في سيرة عمر لابن الجوزي : 68 ، وكنز العمال 3 / 111 ، والفتوحات الاسلامية 2 / 424 ، ومجمع الزوائد للحافظ الهيثمي 5 / 35 . ومنها : ضربه لجمع من نسائه ونساء المهاجرين والأنصار لبكائهم على أمواتهم ، وقد فصلنا الحديث عنه ، وهذه من بطولات الخليفة التي تحدثت بها الركبان ! ! . ومنها : ضربه لجمع - كتميم الداري والسائب بن يزيد وغيرهما - لصلاتهما بعد العصر ، كما سيأتي مصادرها . ومنها : سأل رجل عن قوله تعالى : ( وفاكهة وأبا ) ، فجهل الخليفة وأجابه الصحابة ، فأقبل عليهم بالدرة ! ! . مجمع الزوائد 5 / 8 . ومنها : ما ذكره ابن القيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية : 45 من أمر الخليفة بضرب غلام خاصم أمه - وهو على حق - وردعه ما حكم به يعسوب الدين وامام المتقين صلوات الله عليه في الواقعة ، وقد فصلها العلامة الأميني في غديره 6 / 104 - 105 ، فلاحظ . ومنها : ما عن عبد الله بن عم ، قال : كان عمر يأتي مجزرة الزبير بن العوام بالبقيع ، ولم يكن بالمدينة مجزرة غيرها ، فيأتي معه بالدرة ، فإذا رأي رجلا اشترى لحما يومين متتابعين ضربه بالدرة ، وقال : ألا ضويت بطنك يومين . انظر : سيرة عمر لابن الجوزي : 68 ، وكنز العمال 3 / 111 ، والفتوحات الاسلامية 2 / 424 ، وما جاء في مجمع الزوائد 5 / 35 . ومنها : استدعى عمر امرأة ليسألها عن أمر - وكانت حاملا - فلشدة هيبته ألقت ما في بطنها فأجهضت به جنينا ميتا ، فاستفتى عمر أكابر الصحابة في ذلك ، فقالوا : لا شئ عليك إنما أنت مؤدب . فقال له علي عليه السلام : إن كانوا راقبوك فقد غشوك ، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا عليك غرة - يعني عتق رقبة - فرجع عمر والصحابة إلى قوله ، كما أخرجه ابن الجوزي في سيرة عمر : 117 ، وأبو عمر في العلم ، السيوطي ، كما في ترتيب جمع الجوامع 7 / 300 ، وذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 58 [ أربع مجلدات ] . ومنها : ما رواه جمع من الحفاظ عن بعض الصحابة قال : رأيت عمر بن الخطاب يضرب أكف الرجال في صوم رجب حتى يضعونها في الطعام ، كما أورده في كنز العمال 4 / 321 ، ومجمع الزوائد 3 / 191 وغيرهما ، وناقشه شيخنا الأميني في غديره 6 / 282 - 290 . ومنها : ما حكي عن الشهاب في كتابه شفاء العليل فيما في لغة العرب من الدخيل عن بعض حواشي الكشاف : أن عمر ضرب كاتبا كتب بين يديه : بسم الله الرحمن الرحيم . . ولم يبين السين . . . إلى غير ذلك من الموارد الآتية السالفة والتي تركناها خوف الإطالة . أقول : وبعد كل هذا وغيره فإن خشونة الرجل وفضاضته وجلفه أغضب رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر من مرة ، فقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 216 عن ابن عباس ، قال : لما توفى ابن لصفية عمة رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فبكت عليه وصاحت . . إلى أن قال : فاستقبلها عمر بن الخطاب ، فقال : يا صفية ! قد سمعت صراخك ، إن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه و [ وآله ] وسلم - وكان يكرمها ويحبها - ، فقال : يا عمة ! أتبكين وقد قلت لك ما قلت ؟ ! ، قالت : ليس ذاك أبكاني يا رسول الله ، استقبلني عمر بن الخطاب فقال : إن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لن تغني عنك من الله شيئا . قال : فغضب النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم . . إلى أن قال : فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع ، كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي ، فإنها موصولة في الدنيا والآخرة . . الحديث . وأورده السيوطي في الدر المنثور 3 / 451 ، ذيل قوله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين . . ) ( التوبة 60 ) . قال : وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني . . في قصة عيينة ابن حصن والأقرع بن حابس ، وكتابة أبي بكر لهما كتابا وتناول عمر له تفله فيه ومحوه إياه ، وقولهم له مقالة سيئة . وزاد في ذيله المتقي الهندي في كنز العمال 2 / 189 : . . فأقبلا إلى أبي بكر - وهما يتذمران - فقالا : والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر . فقال : بل هو ، ولو شاء كان . قال : أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه ويعقوب بن سفيان وابن عساكر ، وذكره العسقلاني أيضا في الإصابة 5 / 56 ، وأورده أيضا في كنز العمال 6 / 335 باختلاف يسير . ومنها : قصة الدرة - التي هي أهيب من سيف الحجاج ، كما قالوا - خير شاهد على خشونته وقساوته ، وقد مرت قبلا . وهو يضرب تارة : بدرته ، وأخري ، بمخفقته ، وثالثة : بجريدته و . . . و . . ومنها ما أخرجه ابن ماجة في أبواب النكاح باب ضرب النساء ، بسنده عن الأشعث بن قيس ، قال : ضفت عمر ، فلما كان في جوف الليل قام إلي امرأته يضربها ، فحجزت بينهما ، فلما آوى إلى فراشه امرأته . . ! الحديث . وقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده 1 / 20 خاليا من حجز الأشعث بين الخليفة وزوجته . أقول : هذه من تقولاته على رسول الله ( ص ) بلا شبهة ، ولا شك بكونها تتنافى مع روح الاسلام ، وضرورة العقل والفطرة ، قال في السبعة من السلف : 110 - 111 : . . فالذي أحتمله قويا - بل أجزم به - أنه ضرب امرأته في تلك الليلة ظلما وعدوانا ، وقد عرف ذلك منه الأشعث ، فافترى هذا الحديث على النبي صلى الله عليه وآله لا يعترض عليه بما ارتكبه ويعاتبه على مالا ينبغي صدوره من قبله . أقول : هذا حديث لا يعرف إلا منه ، كقوله ، إن الميت يعذب ببكاء الحي . . وغيرهما كلها شاهد صدق على مدى ما بلغ الرجل من الشدة والخبث ، وكم ضرب نساءه - وأبناءه كما مر وسيأتي - كضربه لزوجته عاتكة بنت زيد حتى نغض رأسها ، كما جاء في الطبقات لابن سعد 3 / 308 . ومنها : ما ذكره الطبري في تاريخه 4 / 206 : في سنة 17 من الهجرة : اعتمر عمر بن الخطاب وبنى المسجد الحرام ووسع فيه ، وأقام بمكة عشرين ليلة ، وهدم على أقوام من جيران المسجد أبو أن يبيعوا . . . وانظر : فتوح البلدان للبلاذري : 53 ، وسنن البيهقي 6 / 168 ، والكامل لابن الأثير 2 / 227 ، وتذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 7 ، والدر المنثور 4 / 159 ، ووفاء الوفاء 1 / 341 - 349 ، وغيرها . أقول : ثم إنه قد نهى الخليفة عن البكاء على الميت ونهى عن نهيه صاحب الرسالة وما انتهى ، وبقيت عقدة ذلك إلى أن مات ، حتى اضطر إلى أن جعل حديثا على لسان رسول الله ( ص ) من : أن الميت ليعذب ببكاء الحي ، وقد ناقشه بما لا مزيد عليه شيخنا الأميني في غديره 6 / 156 - 167 ، و . . . وفي أكثر من رواية وبألفاظ مختلفة وفي زمن صاحب الرسالة نهى عن البكاء حيث إن نساء المهاجرين والأنصار لما بكين عند موت زينب ورقية بنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل عمر يضربهن بالسوط ، وأخذ رسول الله ( ص ) يده وقال : مهلا يا عمر ! دعهن يبكين . . ، كما أوردها ابن حنبل في مسنده 1 / 237 و 335 ، 3 / 333 ، و 4 / 408 ، ومستدرك الحاكم 1 / 381 ، و 3 / 191 ، ومسند الطيالسي : 351 ، والاستيعاب - ترجمة عثمان بن مظنون - 2 / 482 ، ومجمع الزوائد 3 / 17 ، والسنن الكبرى 4 / 70 ، وعمدة القارئ 4 / 87 . وقال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1 / 181 [ 1 / 60 - أربع مجلدات ] : إن أول من ضرب عمر بالدرة أم فروة بنت قحافة ، مات أبو بكر فناح النساء عليه وفيهن أخته أم فروة ، فنهاهن عمر مرارا ، وهن يعاودن ، فأخرج أم فروة من بينهن وعلاها بالدرة . . أقول : هذا لعله أول مرة بعد تولية الخلاقة ، والا كم ضرب قبلها ، وحسبنا السقيفة وعند دار فاطمة سلام الله عليها ، وقصته مع خالد في واقعة مالك بن نويرة وغيرهم ، وأما بعدها فحدث ولاحرج . ولعل أوج قساوته وغاية حدته حده لابنه بعد الحد ! ثم قتله ، وهو ما رواه البيهقي في السنن الكبرى 8 / 312 ، وابن عبد البر في العقد الفريد 3 / 470 ، والخطيب البغدادي في تاريخه 5 / 455 ، وابن الجوزي في سيرة عمر : 170 ، والمحب الطبري في الرياض النضرة 2 / 32 ، والقسطلاني في إرشاد الساري 9 / 439 ، وأبو عمر وفي الاستيعاب 2 / 349 ، وابن حجر في الإصابة 2 / 349 وغيرهم ، وحاصل القصة أن عبد الرحمن بن عمر الأوسط وهو أبو شحمة ، وهو الذي ضربه عمرو بن العاص بمصر في الخمر بأمر الخليفة ، ثم حمله إلى المدينة على قتب وحده ، وفي بعض الروايات : فجعل عبد الرحمن يصيح : أنا مريض وأنت قاتلي ، فضربه الحد ثانيا وحبسه ، ثم مرض فمات . . وفيها موارد للدقة والعجب ، أعرضنا عن ذكرها فصل بعضها شيخنا الأميني في غديره 6 / 316 - 319 .